ملا محمد مهدي النراقي
44
جامع السعادات
ذلك بالذنوب . ولا مقرب من لقاء الله إلا قطع علاقة القلب من زخرف هذا العالم ، والاقبال بالكلية على الله ، طلبا للأنس به بدوام الذكر ، والمحبة له بدوام الفكر في عظمته وجلاله وجماله على قدر طاقته ، ولا ريب في أن الانصراف عن طريق البعد الذي هو الشقاوة واجب للوصول إلى القرب الذي هو السعادة ، ولا يتم ذلك إلا بالتوبة التي عبارة عن العلم والندم والعزم ، ولا يتم الواجب إلا به ، فهو واجب ، فالتوبة واجبة قطعا . تذنيب تحقيق في وجوب التوبة كيف لا تكون التوبة عن المعاصي واجبة ، مع أن العلم بضرر المعاصي وكونها مهلكة من أجزاء الإيمان ووجوب الإيمان ومما لا ريب فيه ، والعالم بهذا العلم إذا لم يعمل به فكما لا يعلمه أو ينكره فلا يكون له هذا الجزء من الإيمان ، لأن كل علم يراد ليكون باعثا على العمل ، فلا يقع التفصي عن عهدته ما لم يصير باعثا ، فالعلم بضرر الذنوب إنما ، أريد ليكون باعثا على تركها فمن لم يتركها فهو فاقد لهذا الجزء من الإيمان ، وهو المراد بقول النبي ( ص ) : ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ) ، وما أراد به نفي الإيمان بالله ووحدانيته وصفاته وكتبه ورسله ، فإن ذلك لا ينافي الزنا والمعاصي ، وإنما أراد به نفي الإيمان بالله لكون الزنا مبعدا عن الله وموجبا لسخطه ، وليس الإيمان بابا واحدا ، بل هو - كما ورد - نيف وسبعون بابا ، أعلاها الشهادتان وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، ، ومثاله قول القائل : ليس الإنسان موجودا واحدا ، بل هو نيف وسبعون موجودا ، أعلاها الروح والقلب وأدناها إماطة الأذى عن البشرة ، بأن يكون مقصوص الشارب مقلوم الأظافر نقي البشرة عن الخبث ، حتى يتميز عن البهائم المرسلة المتلوثة بأرواثها ، المستكرهة الصور بطول مخالبها وأظافرها ، فالإيمان كالانسان ، وفقد الشهادتين كفقد الروح الذي يوجب البطلان بالكلية ، والذي ليس له إلا شهادة التوحيد والرسالة ويترك سائر أجزائه من الأعمال ، فهو كإنسان مقطوع الأطراف مفقوء العينين ، فاقد لجميع أعضائه الظاهرة والباطنة ،